الناس زمان وقاعدة البلكونة الحلوة
كان للبلكونة في البيت المصري القديم طقوس خاصة وحكايات لا تنتهي. لم تكن مجرد مساحة صغيرة تطل على الشارع، بل كانت مسرحاً لحياة اجتماعية ثرية، وملتقى عائلي يومي، خاصة في الليالي الصيفية الدافئة.
شكلت البلكونة في البيت المصري خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين مركزاً اجتماعياً حيوياً للعائلة المصرية.
كانت بمثابة غرفة معيشة صيفية مفتوحة، تجمع أفراد العائلة والجيران في جلسات مسائية يومية، خاصة في فصل الصيف حيث كانت تمثل متنفساً للهروب من حرارة المنازل.
كان لكل بيت طقوسه الخاصة لقاعدة البلكونة ولكن جميعها تتشارك في السعادة باللمة الحلوة والفصلان والروقان وسماع الست.
كانت السيدة المصرية تبدأ طقوس المساء بتنظيف البلكونة وترتيب الكراسي وهناك من كان يخرج "الكنبة الخيزران" أو "الكرسي الهزاز" الشهير وتبدأ القاعدة بتحضير الشاي بالنعناع في "البراد" النحاس القديم او توزيع "اللب" والمكسرات في أطباق صغيرة، كانت "المروحة اليدوية" كافية لتلطيف الجو.
ملتقى الجيران وحكاوي البلكونات:
مثلما ترى اليوم الجميع يدخل عالمهم الخاص ومتنفسهم الحالي "الهاتف المحمول" كان الجميع أيضا يخرجون إلى متنفسهم البسيط وهي البلكونة فيلتقي الجيران لتبادل التحيات بين البلكونات المتقابلة وربما لمناقشة أخبار الحي والحارة، كان تبادل الأطباق وأصناف الطعام بين الجيران عادة جميلة ليتها دامت، فكانت تلك البلكونة البسيطة سببا لنشأة الصداقات والمصاهرات، وتبادل المنافع والخدمات.
الراديو والبلكون عشيقان لا ينفصلان
بينما كان من يمتلك الراديو هوالأكثر حضورا فيسعد الجيران بصوت أم كلثوم الذي يصدح من الراديو "الكهرمان" إذ كان دور الراديو في تلك الفترة يمثل محور الترفيه الرئيسي في السهرات المسائية. فكان جهاز الراديو "الكهرمان" أو "الأحمر" يحتل مكاناً بارزاً في البلكونة. كانت الأغاني والبرامج الإذاعية تجمع الناس على موعد ثابت. أيام الخميس كانت مخصصة لحفلات أم كلثوم، حيث يستمع الجيران معاً، وينتظر الجميع نشرة الأخبار المسائية لمعرفة آخر الأخبار، وكذلك المسلسلات الإذاعية الشهيرة وبرامج المنوعات والفوازير في رمضان.
هل تصفحت اليوم؟
كان الشارع المصري في تلك الفترة مسرحاً متكاملاً للحياة الشعبية، فمثلما تتصفحون اليوم مقاطع الريلز التي لاتنتهي، كان أجدادكم يخرجون إلى البلكونة ليتصفحوا الشارع فهذا بائع العرقسوس يمر منادياً، وعربة الفول والبليلة المسائية، وبائع اللبن والزبادي، بائع الترمس والحمص الشام، الأطفال أيضا يستمتعون باللعب أمام اعين ابائهم فيلعبون "الاستغماية" و"الحجلة"، ولا يمكن أن ننسى صوت المسحراتي في رمضان.
العلاقات الاجتماعية والبلكونة
تعدت العلاقات الاجتماعية مجرد الجيرة العادية، كانت البلكونة مكاناً لتعارف العائلات الجديدة في الحي، حيث تبدأ العلاقة بتبادل التحيات، ثم تتطور إلى زيارات منزلية. كثير من قصص الزواج بدأت من نظرة من بلكونة لبلكونة، وتطورت بعد ذلك إلى علاقات مصاهرة بين العائلات.
تميزت البلكونة المصرية بعناصر مادية خاصة أصبحت جزءاً من هويتها. الستائر الملونة التي تحمي من الشمس، أصيص الريحان والنعناع الذي يضفي رائحة عطرية على المكان، قفص الكناري المعلق الذي يضيف موسيقى طبيعية للمكان. كانت سلة الخضار المتدلية وسيلة عملية للتسوق من البقال دون النزول من المنزل.
تعليقات
إرسال تعليق